السيد محمد تقي المدرسي

356

من هدى القرآن

قائلًا : « مَا شَرِبْتُ خَمْراً قَطُّ لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ شَرِبْتُهَا زَالَ عَقْلِي ، وَمَا كَذَبْتُ قَطُّ لِأَنَّ الْكَذِبَ يَنْقُصُ المُرُوَّةَ ، وَمَا زَنَيْتُ قَطُّ لِأَنِّي خِفْتُ أَنِّي إِذَا عَمِلْتُ عُمِلَ بِي ، وَمَا عَبَدْتُ صَنَماً قَطُّ لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ » « 1 » والسبب أن الإيمان والكفر حالتان في نفس البشر ، فالذي اعتاد على الانقياد للحق والتسليم له لا يجد صعوبة للإيمان بالرسالة ، والعمل بها ، بينما يصعب ذلك على الآخر الذي اعتاد الانهيار أمام الشهوات والأهواء ، لذلك نجد فريقا من الناس بقي منافقا حتى بعد البعثة . وفي نهاية الدرس يؤكد القرآن أن على الإنسان ألا ينتظر الهداية تأتيه رغما على أنفه ، بل يجب عليه أن يتحمل المسؤولية بنفسه ، وليس الرسول سوى مبلغ للرسالة . بينات من الآيات : [ 50 ] فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ذلك أن الرسالة تلتقي مع الجانب الخير في الإنسان وهو عقله ، وبالتالي يكون الباعث على مخالفتها هو اتباع الهوى ؛ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ الإنسان قاصر في ذاته ، فلا بد أن يعالج هذا النقص باتباع هدى ربه ، واسع العلم والقدرة ، ولو لم يفعل ذلك فلن يزداد إلا بعدا عن الحقيقة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الهدى سنة عظيمة لا يمنحها الله للظالمين الذين يعتدون على حقوق الناس وحقوق الله ، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ، والظلم يكرس حب الذات ، واتباع الهوى في القلب ، مما يشكل حجابا كثيفا عن الحقائق . [ 51 ] ومشكلة الذين لم يستجيبوا للرسالة ، ليست في غموضها أو قصر شواهدها ، بل لأنهم لا يريدون الهداية ولا التذكرة ، والدليل أنهم كانوا يرفضون رسل الله ورسالاته . وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ أي جعلنا أسباب الهداية متصلة لا تنقطع ، وفي الروايات أن الله بعث مئة وأربعة وعشرين ألف نبي غير الأوصياء والدعاة إلى الله من أتباعهم ؛ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ولم تكن الرسالات الإلهية شيئا غريبا بالنسبة للنفس البشرية ، لأنها تتلاقى مع فطرة الإنسان وعقله ، اللذين أودع الله فيهما الحقائق ، وما الرسالة في غالبها إلا وسيلة لاستثارة الذاكرة . [ 52 ] وأولئك الذين آمنوا بالكتب ، ودربوا أنفسهم على الانقياد للحق لا يجدون حرجاً في التسليم للرسالة الجديدة الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يعني بالقرآن الحكيم يُؤْمِنُونَ .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 22 ص 272 .